بين الرجولة الصعيدية والاستعراض السوقي: محمد رمضان إلى أين؟

 بين الرجولة الصعيدية والاستعراض السوقي: محمد رمضان إلى أين؟



في زمنٍ صارت فيه الشهرة مرهونة بعدد المشاهدات، وأصبحت القيمة تُقاس بتريند اللحظة، يُطل علينا محمد رمضان، مرة أخرى، بظهور جديد مثير للجدل، يتجاوز حدود الجرأة إلى استفزاز الذوق العام، ويدوس على رمزية الانتماء والرجولة الصعيدية التي لطالما تغنى بها. ظهوره الأخير بحمالة صدر نسائية ليس مجرد مشهد عابر من كليب غنائي، بل هو صفعة مباشرة لقيم مجتمعٍ بأكمله، وخاصةً المجتمع الصعيدي الذي ينتمي إليه الفنان، والذي لا يقبل التلاعب برموزه وهويته.


رمضان والصعيد: الأصل الذي لا يُشترى


ينحدر محمد رمضان من محافظة قنا، قلب الصعيد الجنوبي المصري، حيث تنمو الرجولة كالشجر البري، وحيث الكلمة شرف، والستر فخر، والنخوة عنوان. في ثقافة الصعيد، هناك خطوط حمراء لا تُخترق، وهناك ثوابت لا تُساوم، والرجولة ليست شعارًا يُرفع في أغنية، بل هي سلوك يومي، وقيمة لا تتجزأ.


لقد بنى محمد رمضان جزءًا كبيرًا من مجده الإعلامي على هذه الهوية. تقمص شخصية ابن البلد، "الراجل الجدع"، صاحب الحق، الذي لا يخشى أحدًا. ولكن، ما جدوى هذه الصورة إذا كان سلوك الفنان على أرض الواقع ينسفها؟ كيف يبرر لمحبيه – وخصوصًا من أبناء الصعيد – ظهوره بملابس داخلية نسائية، وهو الذي لطالما تحدث عن "الرجولة" و"الهيبة"؟


الاستفزاز كوسيلة تسويق: عندما تنقلب الحرية إلى فوضى


لا يمكن إنكار أن محمد رمضان فنان ذكي، يفهم لعبة التريند ويجيد ركوب موجاتها. لكنه أيضًا بات أسيرًا لها، حتى صار بحاجة إلى جرعة صدمة جديدة في كل ظهور. هذا التكرار للسلوك الصادم – سواء بملابس شفافة، أو مجوهرات مبالغ فيها، أو حركات استعراضية مسرحية – لم يعد مجرد اختلاف فني، بل أصبح استعراضًا سوقيًا يفقده المصداقية.


في عالم الشهرة، من الطبيعي أن يثير الفنان الجدل، لكن ليس على حساب الكرامة المجتمعية أو الذوق العام. هناك خيط رفيع بين الحرية الفنية والتفاهة المقنعة بالجرأة، ومحمد رمضان بات يتجاوز هذا الخيط في كل مرة، حتى بدا وكأنه يتعمد استفزاز الجمهور لاجتذاب التفاعل، ولو كان سلبياً.


أين هي الرسالة؟


في زمن كثرت فيه الأزمات الاجتماعية والنفسية، وصار الشباب في حاجة إلى قدوة حقيقية، يظهر رمضان في مشهد مفرغ من أي مضمون، لا يحمل قيمة، ولا يوجه رسالة، سوى رسالة واحدة: "افعل أي شيء، ولو كان سخيفًا، لتُشاهَد". لكن، هل هذه هي الرسالة التي نحتاجها الآن؟ وهل هذا هو النموذج الذي يُفترض أن يتصدر الشاشات ويؤثر في الجيل الصاعد؟


كان بإمكان محمد رمضان أن يكون نموذجًا ملهمًا لشباب الصعيد والعالم العربي، خاصة أنه انطلق من بيئة بسيطة، وحقق صعودًا ملحوظًا. لكنه بدلاً من أن يرد الجميل لأصله ومجتمعه، قرر أن ينقلب عليه، وأن يسخر رمزيته لبث صور لا تشبه البيئة التي جاء منها، بل تسيء لها.


الفن مسؤولية لا تهريج


الفن الحقيقي هو الذي يُشبه الناس، يُعبّر عنهم، يلامس همومهم، ويحترم وعيهم. أما ما يقدمه محمد رمضان مؤخرًا، فهو أقرب إلى التهريج الموجه تجاريًا منه إلى الفن المسؤول. التمادي في كسر الأعراف، دون مبرر أو رسالة، ليس شجاعة، بل هروب من تقديم محتوى حقيقي.


ظهوره في كليب "تطبطب" بحمالة صدر نسائية لا يمكن تبريره فنيًا، ولا حتى تسويقيًا. هو مشهد فارغ من المعنى، مليء بالإساءة، سواء لأهله في الصعيد، أو لجمهوره في باقي أنحاء الوطن العربي.


في الوقت الذي يباد فيه إخواننا في غزة: هل الفخامة تُنسي الألم؟


في الوقت الذي يُباد فيه إخواننا في غزة، ويُعاني شعب فلسطين من المجازر والدمار اليومي، يظهر محمد رمضان في ملابس حريمي مرصعة بالذهب، في مشهد يثير تساؤلات كبيرة حول المسؤولية الاجتماعية للفنانين، ومدى قدرتهم على التفاعل مع القضايا الكبرى التي تمس الأمة بأسرها.


إن من يتبنى مثل هذه التصرفات يصبح كمن يغرق في فقاعة من الزخارف الباهظة، بعيدًا عن هموم الشعب. في الوقت الذي يحترق فيه أبناء غزة على أيدي الاحتلال، كيف يمكن لمثل هذا الظهور أن يكون مقبولًا في مجتمع عربي يئن من الفقر، الحرب، والظلم؟


هذه التصرفات لا تؤذي فقط الجمهور المصري أو الصعيدي، بل تسيء لكل عربي في غزة وفي كل مكان، يتابع المشهد ويتساءل: أين نحن من قضايا الأمة؟ أين الفن من معاناة الناس؟


ماذا بعد؟ وهل من عودة؟


السؤال الآن: إلى أين يريد محمد رمضان أن يصل؟ وهل ما زال يؤمن بدوره كفنان، أم أصبح مجرد أداة في لعبة الشهرة؟ وهل من الممكن أن يستعيد توازنه، ويعود لتقديم محتوى حقيقي يحترم تاريخه، ومجتمعه، وجمهوره؟


ربما ما زالت الفرصة أمامه، إن قرر أن ينظر في المرآة، لا ليتأكد من وسامته، بل ليرى الحقيقة التي يحاول إخفاءها تحت أضواء الشهرة: أن احترام الأصل لا يُشترى، وأن الرجولة لا تُباع، وأن الشهرة لا تساوي شيئًا أمام خسارة حب الناس.


كلمة أخيرة


الصعيد الذي أنجب محمد رمضان هو نفسه الصعيد الذي لن يسكت طويلًا عن هذه المهزلة، لأن الرجل الذي يخرج عن تقاليد أهله لا يُفتخر به، مهما علت أضواؤه. والجمهور الذي احترمه يوماً، لن ينسى هذا السقوط السلوكي، لأن التعرّي أمام الكاميرا لا يصنع نجمًا، بل يفضح زيف الصورة



Post a Comment

Previous Post Next Post