من خير أمة.. لمجرد مشاهد وفي أغلب الأحيان "مطبل"
بقلم: سيف الدين بوكفة
في عالمٍ تحكمه لغة الصواريخ الباليستية وحسابات "الرؤوس النووية"، نجد أنفسنا اليوم نقف في مدرجات التاريخ، نراقب صراع "الجبابرة" بعيونٍ يغلب عليها الانبهار أو السخرية، بعيداً عن أي دور فاعل في رسم خارطة المستقبل. إن التحول من أمة كانت هي "الفاعل" والمؤثر في مسار الحضارة الإنسانية إلى مجرد "مفعول به" يكتفي بالمشاهدة، هو التجسيد الحي للأزمة الراهنة.
المشهد والجمهور المغيب
بينما ينشغل قادة مثل بوتين بترميم أمجاد إمبراطورية وتدشين أنظمة دفاعية انتحارية مثل "اليد الميتة"، وبينما يجعل كيم من ترسانته النووية إرثاً عائلياً تشرف عليه طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، يكتفي جزء كبير من جمهورنا العربي والإسلامي بدور "المطبل". هذا التطبيل ليس مجرد تعبير عن إعجاب، بل هو نتاج لغياب المشروع الذاتي؛ فالبحث عن "البطل المنقذ" في الآخر هو اعتراف ضمني بالعجز عن صناعة البطولة في الداخل.
فخ الكاريزما والشعبوية الرقمية
تساهم منصات التواصل الاجتماعي عبر "الريلز" والفيديوهات القصيرة في تسطيح الوعي السياسي. فالمشاهد الذي يرى بوتين يمارس هواياته أو يظهر في لفتات إنسانية، أو كيم وهو يستعرض قوته العسكرية، ينسى غالباً موقعه من هذا الصراع. وبدلاً من أن يتساءل عن مكانة أمته في هذه المعادلة، ينجرف وراء "الترند"، محولاً قادة القوى العظمى إلى أيقونات درامية تستحق التصفيق أو الشجب، وكأنه يتابع مسلسلاً سينمائياً وليس واقعاً قد يمحو "الخريطة" في أي لحظة نتيجة "انقلاب هرموني" أو قرار متهور.
من التبعية إلى الفاعلية
إن الخروج من خانة "المشاهد المطبل" يتطلب استعادة الوعي بالذات وتفعيل الدور الحضاري. والحل لا يبدأ من الانحياز لمحاور دولية تبحث عن مصالحها القومية فقط، بل يبدأ من:
نقد الواقع: الاعتراف بأن "الخيرية" ليست صفة موروثة بل هي عمل وفعل وتأثير مستمر في الواقع.
بناء المشروع الذاتي: التحرر من عقدة النقص تجاه القوى الكبرى والبدء في بناء تكتلات حقيقية تجعل الأمة رقماً صعباً في المعادلة الدولية.
التوثيق والتحليل الواعي: دور النخبة والإعلام المستقل هو انتشال الجماهير من سطحية "التطبيل" إلى عمق التحليل، وفهم أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء.
خاتمة:
إن البقاء في مقاعد المتفرجين بينما يتقرر مصير العالم بحسابات استخباراتية باردة، هو أخطر ما يواجهنا. فهل سنظل نكتفي بمشاهدة "الرحلة مدفوعة الأجر" التي يجهزها لنا الآخرون نحو المجهول، أم سنبدأ في استعادة "البوصلة" لنكون نحن الفاعلين في قصتنا؟
