قراءة تحليلية في تصريحات محمود عباس ومآلات الخطاب الرسمي الفلسطيني


بقلم: سيف الدين بوكفة –زاوية تحليل



في خضم العدوان المتواصل على قطاع غزة، ومع تصاعد وتيرة الصمود الأسطوري الذي تبديه المقاومة الفلسطينية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، خرج محمود عباس، الشخصية التي تتصدر الواجهة الرسمية للسلطة الفلسطينية، بتصريحات صادمة استُقبلت من قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني والعربي ليس بالدهشة فقط، بل بالغضب العميق.


ففي الوقت الذي تمطر فيه طائرات الاحتلال منازل المدنيين بالقنابل، وتستهدف المستشفيات والمخيمات، ويتعرض مئات الآلاف من سكان غزة للتجويع والتهجير، اختار عباس أن يُحمّل فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مسؤولية استمرار العدوان، متهمًا إياها بـ"احتجاز الأسرى الإسرائيليين"، ومطالبًا بتسليم القطاع للسلطة.


أولًا: عن دلالات التصريح وسياقه الزمني


الخطاب لم يكن عفويًا ولا معزولًا عن السياق، بل جاء ضمن افتتاح الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي الفلسطيني، أي في لحظة محسوبة سياسيًا. وفي حين كان العالم يتجه شيئًا فشيئًا للتعاطف مع القضية الفلسطينية، اختار عباس أن يدير بوصلته إلى الداخل الفلسطيني، ليساند السلطة، لا الشعب، ويُشرعن رواية الاحتلال بأسلوب غير مباشر.


التوقيت لم يكن عشوائيًا. بل جاء بعد تصاعد الزخم الدولي الداعم لحقوق الفلسطينيين، ووسط تآكل خطاب الاحتلال في المحافل الشعبية العالمية. في هذا التوقيت، كان يتوقع من القيادة الفلسطينية أن تستثمر سياسياً في صمود غزة، لا أن تنقلب عليه.


ثانيًا: السلطة بين العجز السياسي والتناقض الوطني


ما صدر عن عباس ليس سوى امتداد لحالة التناقض العميق بين ما تعيشه السلطة الفلسطينية من جمود وانفصال عن الواقع الميداني، وبين ما يفرضه الشارع الفلسطيني من معادلات نضالية جديدة. السلطة باتت أشبه بجهاز إداري يخدم بقاء نفسه، لا مشروع التحرر.


تصريحات كهذه تعزز من الشعور الشعبي بأن هناك قيادة رسمية فاقدة للشرعية الشعبية منذ سنوات، وتمارس خطابًا سياسيًا لا يمت بصلة لنبض الشعب ولا لجراحه، بل وتتموضع في خانةٍ تلتقي، عن قصد أو دون قصد، مع الرواية الإسرائيلية التي تحاول شيطنة المقاومة وتجريدها من شرعيتها.


ثالثًا: الخطاب الرسمي... خيانة للدم أم ارتباك سياسي؟


ما صدر عن محمود عباس لا يمكن تصنيفه كمجرد زلة أو اجتهاد سياسي، بل هو امتداد لمنظومة تقود المشروع الوطني نحو التآكل من الداخل. فالرجل الذي كان يُفترض أن يجسّد تطلعات الشعب في التحرر، بات اليوم يتحدث بلغة تُقارب سردية الاحتلال وتُدين المقاومة بدلًا من أن تساندها.


لقد ظهر عباس – في نظر طيف واسع من أبناء الشعب الفلسطيني – لا كرئيس، بل كـ"موفد سياسي" في مهمة تقويض شرعية المقاومة، وتبرئة الاحتلال من جرائمه عبر ترويج لخطاب يُحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرض له من قصف وتجويع وتنكيل. إنها خيانة سياسية للدم الفلسطيني، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى وإن تمت تغطيتها بلغة ديبلوماسية.


رابعًا: من يمثل الشعب الفلسطيني فعلًا؟


في هذه اللحظة التاريخية، لم يعد السؤال حول شرعية المقاومة، بل حول شرعية من يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية. من يقف إلى جانب دماء الشهداء، ومن يتاجر بها؟ من يدعم النضال، ومن يعمل على تدجينه؟


لقد بات من الواضح أن الشعب الفلسطيني لم يعد يرى في خطاب السلطة ممثلًا له، بل يُعيد تشكيل خياراته من خلال ثقته بالمقاومة، واستعداده الدائم للتضحية من أجل كرامته الوطنية. في المقابل، يبدو أن السلطة اختارت أن تكون خارج الإجماع، وحتى خارج التاريخ.


خاتمة:


في ظل هذه المعطيات، تصبح مقولة "من وكتاه الكلب ترجل؟" أكثر من مجرد تعبير شعبي، بل تلخيصًا ساخرًا ومرًا في آن واحد لحالة التناقض التي بلغها المشهد السياسي الفلسطيني الرسمي. فحين يترجل من لا يملك شرعية الدم ولا التفويض الشعبي، ويهاجم من يُضحّي بحياته لأجل الوطن، لا يبقى أمامنا سوى أن نطرح السؤال الأكبر: إلى متى سيبقى القرار الفلسطيني مرتهنًا لخيار العجز؟




Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne